أبي منصور الماتريدي

306

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [ البقرة : 284 ] أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه ، فعلى ذلك الأول فيه إخبار أن ذلك كله يحصيه عليهم ، ويحاسبهم في ذلك ؛ ليكونوا على حذر من ذلك وخوف » . ومن ذلك ما قاله عند تفسيره قول الله تعالى : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ الأعراف : 27 ] : « قيل : قبيله : جنوده وأعوانه ، حذرنا إبليس وأعوانه ، بما يروننا ولا نراهم . فإن قيل : كيف كلفنا محاربته ، وهو بحيث لا نراه ، وهو يرانا ، ومثله في غيره من الأعداء لا يكلفنا محاربة من لا نراه أو من لا نقدر القيام على محاربته ، وليس في وسعنا القيام بمحاربة من لا نراه . قيل : إنه لم يكلفنا محاربة أنفسهم ؛ إذ لم يجعل له السلطان على أنفسنا وإفساد مطاعمنا ومشاربنا وملابسنا ، ولو جعل لهم لأهلكوا أنفسنا وأفسدوا غذاءنا ، إنما جعل له السلطان في الوساوس فيما يوسوس في صدورنا ، وقد جعل لنا السبيل إلى معرفة وساوسه بالنظر والتفكير ، نحو قوله تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [ الأعراف : 200 ] ، وقوله تعالى : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ [ المؤمنون : 97 ] ، وقوله : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا [ الأعراف : 201 ] علمنا ما به ندفع وساوسه وهمزاته ، وجعل لنا الوصول إلى دفع وساوسه بحجج وأسباب » . لكن هناك ملاحظة يجب إثباتها هنا ، وهي بارزة في النموذجين السابقين ، وهي أن الماتريدي حين يفسر القرآن بالقرآن يسلك مسلكا خاصّا يخالف ما درج عليه سابقوه وحتى لاحقوه ؛ ذلك أنه قبل أن يأتي بالآية المفسّرة يقوم بتحليل الآية المفسّرة ، ثم يقول بعد التحليل : نحو قوله تعالى كذا . ثم إن الآية أو الآيات المفسّرة قد تكون غير صريحة في الدلالة على الآية المفسّرة ، بقدر ما يقصد تحليله هو . وإذا أردنا أن نتبين هذا الفارق بين الماتريدي وغيره من المفسرين يكفينا أن نفتح تفسيرا واحدا هو تفسير ابن كثير الذي يقول عند تفسير قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ البقرة : 37 ] ، « قيل : إن هذه الكلمات مفسرة بقوله تعالى : قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] » « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ، القاهرة ( 1 / 81 ) .